ساسي سالم الحاج
64
نقد الخطاب الاستشراقي
الإمبراطورة « تيودورا » عام 523 للميلاد . وفي هذه المدينة حصلت هذه الواقعة التي يقتبسها رودنسون عن الطبري على النحو التالي : « فلمّا نزل الركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له « بحيرى » في صومعة له وكان ذا علم من أهل النصرانية ، ولم يزل في تلك الصومعة مذ ترهّب إليه يصير علمهم عن كتاب فيما يزعمون يتوارثونه كابرا عن كابر . فلمّا نزلوا ذلك العام ببحيرى صنع له طعاما كثيرا ، وذلك أنه رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في صومعته ، عليه غمامة تظلّه من بين القوم ، ثم أقبلوا حتى نزلوا في ظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حين أظلّت الشجرة وهزّت أغصان الشجرة على رسول اللّه حتى استظلّ تحتها . فلمّا رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته ثم أرسل إليهم فدعاهم جميعا . فلمّا رأى بحيرى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته . فلمّا فرغ القوم من الطعام وتفرّقوا سأل رسول اللّه عن أشياء في حاله ، في يقظته وفي نومه ، فجعل رسول اللّه يخبره فيجدها بحيرى موافقة لما عنده من صفته . ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه . ثم قال بحيرى لعمه أبي طالب : ما هذا الغلام منك ؟ قال : ابني . فقال له بحيرى ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيّا . قال : فإنه ابن أخي . قال : فما فعل أبوه ؟ ، . قال : مات وأمه حبلى به . قال : صدقت ارجع به إلى بلدك ، واحذر عليه يهود فو اللّه لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنّه شرّا فإنه كائن له شأن عظيم فأسرع به إلى بلده . فخرج به عمّه سريعا حتى أقدمه مكة « 1 » . وبعد أن يقتبس « رودنسون » هذه القصة من الطبري يتساءل عن مدى صحتها . ويجيب عن هذا التساؤل بأنه لا يعلم عنها شيئا كثيرا . ولكنه يستنتج منها أنها قد وضعت وضعا حتى يعترف بنبوّة الرسول من قبل إحدى الديانتين التوحيديتين اليهودية والمسيحية باعتبار الإسلام وارثا لهما . والمسيحيون اعتبروا هذه الأسطورة دليلا على تأثر محمد بهذا الراهب الزاهد واستقائه جميع معلوماته منه نافين عنه بذلك أية أصالة . غير أن الرحلة إلى بصرى ليست مستحيلة الوقوع في حد ذاتها بل ربما ارتحل الرسول مرات عديدة إلى هذه الأصقاع . وقد حاول الباحثون تتبع آثار هذه الرحلات ومدى معرفة الرسول للبلدان الأجنبية الأخرى . إلّا أن هذه البحوث قد أسفرت عن عدم حضور محمد لأية احتفالات دينية مسيحية . ولو حصلت له مثل هذه الحوادث لما
--> ( 1 ) الطبري ، تاريخ الطبري ، طبعة ديخويه ، المرجع السابق ، ج 2 ، ص 1124 .